

في مجلسنا النجدي الدافي، جدتي موضي تبتسم وتقول: تعالوا يا حبايبي. جلسنا حول السفرة. قالت: اليوم بحكي لكم عن قلبي، قلب أم. قلنا بحماس: يلا يمه، نسمع.

تسولف موضي: ربّيت عيالي من الأول والثاني، وكفّيت ووفيت. أقوم بالبيت تربيةً وطبخاً وشغل. قلت لها: يمه أنت كنتِ أمهم وأبوهم. ابتسمت: يوم كبروا ارتحت شوي.

عند الباب قالت بحزم: خلاص منب رايحين لشقراء. عيالي بينجحون ويدرسون. رتّبنا أغراضنا ورجعنا لـ جوي، قريب من مدارس المجمعة. قلنا: سمعاً وطاعة يا يمه، وبشرينا بالخير.

في يوم النقلة، حملنا الكراتين والسلال. موضي تدعي: يا رب يسهل. إبراهيم يمسك يد عبدالله، ونورة تلوّح للمكان القديم. ضحكنا شوية، وبقلوبنا شجاعة جديدة.

تصحّينا موضي بدري وتقول: شدّوا حيلكم يا عيالي. نفطر خبز وتمن وقهوة هيلة. نمشي للمدرسة بخطى سريعة. بعد العصر تذاكر نورة وإبراهيم، ونسمع دعواتها الطيبة.

تمسّك موضي جيوبنا بلطف، وتراقبنا بعين أم. لقت أعواد عنب نسوي فيها تمثيل التدخين. قالت بحزم: أي والله أخاف عليكم وأراقبكم، أخاف عليكم تتتنون. قلنا: سامحينا يمه، ما نعيدها.

إذا غلط واحد، تقرّبنا موضي وتهمس: الكلمة الطيبة ترفع. تعطينا مثال، وتقول: استأذن، واشكر، وساعد. نجرب فوراً، وتبتسم وهي تشوفنا نطبّق. نتعلم بالرفق، وقلوبنا ترتاح.

في المطبخ، تعجن وتطبخ وهي تضحك. تقول: وأنا عاد شوي جزلة.. لامن سويت جبت لي بادية. نحمل البادية الكبيرة، ونوزع على أهل الحارة. الكل يدعي: الله يزيدك يا موضي.

نهار الخميس نويدز من البويب. موضي وبناتها يرقبن الطريق ويقلن: متى تمر السيارة. نسقي الشاهي ونعدّ التمر. إذا لمحنا غبرة الطريق، قلوبنا ترفرف فرحاً.

وصل إبراهيم من جامعة الرياض، يلوّح بشهادته. عبدالله يصفّق، ونورة تزغرد بخجل. موضي ترفع يدها وتدعي: يا رب تتمّم بالخير. نضحك ونحتفل بعرق السنين.

جلسنا حولها، وقال إبراهيم: يوم ما دارت السنة قضيت خمسين ألف. عطينا كل اللي عطونا. موضي دمعت وقالت: جزاكم الله خير. قلنا: تعبك ما ننساه، يا يمه.

تمسح دموع الفرح وتقول: يا الله لك الحمد.. تيسرت أموره، يا الله لك الحمد. حضنتنا وغطتنا بحنانها. تركت لنا الإرث الأجمل: علم، كرم، وصبر. قلنا: قلبك مدرسة يا جدة.